أحمد مصطفى المراغي
189
تفسير المراغي
المعنى الجملي بعد أن ذم سبحانه المنافقين بأنهم مذبذبون لا يستقر لهم قرار ، فهم تارة مع المؤمنين ، وأخرى مع الكافرين ، حذر المؤمنين أن يفعلوا فعلهم وأن يوالى بعض ضعفائهم الكافرين دون المؤمنين ، يبتغون عندهم العزة ويرجون منهم المنفعة كما فعل حاطب بن أبي بلتعة ، إذ كتب إلى كفار قريش يخبرهم بما عزم عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم في شأنهم ؛ لأنه كان له عندهم أهل ومال . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) المراد بالولاية هنا النصرة بالقول أو بالفعل بما يكون فيه ضرر للمسلمين ، وهذا كقوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ » . أما استخدام الذميين منهم في الحكومة الإسلامية فليس بمحظور ، والصحابة رضوان اللّه عليهم استخدموهم في الدواوين الأميرية ، وأبو إسحاق الصابي جعل وزيرا في الدولة العباسية . ( أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ) السلطان : الحجة والبرهان ، والمبين هنا بمعنى البين في نفسه . والمعنى - أتريدون أن تجعلوا للّه عليكم حجة بينة في استحقاقكم للعقاب إذا اتخذتموهم أولياء من دون المؤمنين ؟ فإن عملا كهذا لا يصدر إلا من منافق . ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) الدرك والدرك بالسكون والتحريك : الطبقة أسفل من الأخرى ، فإذا كانت أعلى منها كانت درجة ، والنار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة ، وفي الآية إشارة إلى أن دار العذاب في الآخرة ذات دركات بعضها أسفل من بعض ، كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض .